في محل التحف .. وقف صاحب المحل خبير التحف المعروف و هو ممسكاً بيده تحفة فنية بديعة مصنوعة من الزجاج. وأخذ يقلبها في يديه بدقة و تركيز شديدين و هو يتفحصها في الضوء بنظره الثاقب.
اخيراً انتهي الخبير من الفحص و التفت موجها كلامه لمالك التحفة ذلك العامل البسيط الذي دخل الي محله هذا الصباح املاً ان يبيعها.
الخبير: انا أسف جداً يا سيدي. هذة تحفة فنية عالية الجودة حقاً و لكنها مصنوعة بأصابع ترابية و ليست بأصابع نارية. لذلك فأن ثمنها لا يزيد عن ١٠٠ طارة فقط لا غير.
العامل البسيط مصدوماً: كيف هذا؟ انا واثق ان هذة التحفة قد صُنعت بأصابع نارية و ثمنها يزيد عن ٨٠٠٠ طارة!
الخبير: لقد فحصتها بدقة و أكثر من مرة و انا متأكد انها مصنوعة بأصابع ترابية و ليست نارية.
لك الاختيار الان أما ان تأخذ تحفتك و ترحل من هنا او ان تأخذ مقابلها ١٠٠ طارة و ترضي بها.
العامل يقف متردداً و هو يشعر بشيء من خيبة الأمل:
هذة التحفة ورثتها من أبي و أبي ورثها من أجدادي و قد اكد لي مرارا كثيرة انها مصنوعة بأصابع نارية و لولا احتياجي للمال ما كنت عرضتها للبيع أبدا. لكني لن ارضي أبدا ان ابيعها بأقل من قيمتها.
هذة التحفة ورثتها من أبي و أبي ورثها من أجدادي و قد اكد لي مرارا كثيرة انها مصنوعة بأصابع نارية و لولا احتياجي للمال ما كنت عرضتها للبيع أبدا. لكني لن ارضي أبدا ان ابيعها بأقل من قيمتها.
يأخذ العامل تحفته و يخرج من المحل وهو حزين و مهموم و مطأطي الرأس. وفيما هو سائر في الطريق بخطوات متثاقلة و فكر حائر اذ بشخص غريب يقترب اليه و يبدأ الحديث معه
الغريب: من فضلك يا سيدي انا غريب عن البلد و أبحث عن مكان للمبيت. فهل تقدر ان تساعدني؟!
العامل: مرحبا بك يا سيدي في بلدتنا. بالطبع يسعدني ان اساعدك. كم تريد ان تدفع في المبيت؟
الغريب: ٥٠ طارة.
العامل: اذن يمكنك المجيء معي الي بيتي و انا سأوفر لك مكان للمبيت.
العامل البسيط يأخذ الغريب الي بيته و يستضيفه.
و في المساء بينما يتعشيان معا يلاحظ الغريب حزن مضيفه.
الغريب: مالي أراك حزيناً و شارد الذهن؟ هل هناك شيء يشغل بالك؟
العامل محبطاً و ناظراُ الي الارض: أمر بضائقة مالية اضطرتني ان أأخذ هذه التحفة البديعة التي تراها معي و التي هي أثمن ما ورثت من أجدادي و اذهب بها واعرضها للبيع. و لكن صاحب محل التحف الذي ذهبت اليه اليوم قد احزنني فقد قال لي انها مصنوعة "بأصابع ترابية" و ليست "بأصابع نارية" و بناء عليه فهي لا تساوي شيئا ذو قيمة.
الغريب: ماذا تعني بالأصابع الترابية و النارية؟
العامل: انت تعلم ان الرمل يستخدم في صناعة الزجاج. و تحويل الرمل الي زجاج يتطلب الكثير من الجهد و العرق. فيأتي العامل منا و يغترف الكثير من الرمال و يضعها في فرن عالي الحرارة و لمدة طويلة و يستمر في التقليب حتي يتحول الرمل الي زجاج. ثم بعد ذلك تأتي مرحلة التشكيل و التي تتطلب أيضاً الكثير من الجهد و العرق و المهارة حتي تتكون تحفة فنية جميلة كالتي انت تراها بين يديّ الان.
فأنا و العمال أمثالي ممن يقومون بهذا العمل يقال عنا "ذوي الأصابع الترابية" و لكن توجد فئة اخري من العمال يقال عنهم "ذوي الأصابع النارية" و هؤلاء عددهم قليل و نادر. هؤلاء يستطيعون بلمسات بسيطة و قليلة تحويل الرمل الي زجاج عالي الجودة و أيضاً بلمسات بسيطة و قليلة يمكنهم تحويل هذا الزجاج الي تحف فنية رائعة الجمال غالية الثمن جداً.
الغريب مندهشاً: و لماذا هذا الفرق الهائل في الثمن إذا كان المنتج النهائي له نفس الشكل و الدقة و الجودة؟
العامل: المنتج النهائي له نفس الشكل نعم و له نفس الدقة هذا ايضاً صحيح و لكن ليس له نفس الجودة!
إذ ان التحف المصنوعة بأصابع ترابية قابلة للكسر أما التحف المصنوعة بأصابع نارية فهي غير قابلة للكسرعلي الاطلاق.
و لا يستطيع احد التفريق بين النوعين إلا عين الخبير الواعي!
الغريب: و كيف تتأكد من ان الخبير يقول لك الحق؟!
العامل: للاسف لا توجد وسيلة للتأكد من ذلك إلا بالاختبار العملي: اي برمي التحفة علي الارض!!
فإذا انكسرت فهي مصنوعة بأصابع ترابية و إذا لم تنكسر فهي مصنوعة بأصابع نارية.
الغريب: فلماذا اذن لا تثبت له عملياً انك علي حق؟
العامل: هذه مغامرة كبيرة يا صديقي .. فإذا رميت التحفة علي الأرض و لم تنكسر فأني أحصل علي ٨٠٠٠ طارة و اكون من المحظوظين و لكن ان انكسرت فاني أكون بهذا قد خسرت ١٠٠ طارة و هي قيمة التحفة المصنوعة من الأصابع الترابية.
اما إذا لم اقبل المغامرة و رضيت ب ١٠٠ طارة فقد يكون الخبير كاذب و في هذة الحالة أكون قد خسرت ٨٠٠٠ طارة!
لهذا تجدني في حيرة من امري.
الغريب (مفكرا بصوت مرتفع): مم .. لك حق ان تحتار! فهذا امر محير بالفعل.
و لكن قل لي كيف يكون العامل ذو أصابع نارية و لماذا انت لست من ذوي الأصابع نارية؟
العامل: آه.. نسيت انك غريب عن بلدتنا .. ذو الأصابع النارية هو إنسان عادي مثلي و مثلك و لكنه في يوما ما قابل التنين العظيم و استقبل احد الكرات النارية التي تخرج من فمه. و هذة الكرة النارية متي دخلت جسد إنسان فإنها تسبب له الماً شديداً. إذ انها تنزل الي جوفه أولا ثم تتحرك في كل جسده الي ان تصل الي أطراف أصابعه و تستقر هناك فتظهر اطراف الاصابع مضيئة بوهج احمر اللون. و بعدها يصبح هذا الانسان ذو أصابع نارية و كل ما يصنعه يكون ذو قيمة عالية لانه كل ما يصنعه يصبح غير قابل للكسر.
الغريب: إذن لماذا لا تفكر ان تكون انت أيضاً ذو أصابع نارية؟ هل فكرت ان تقابل التنين ؟
العامل: نعم. لقد فكرت كثيرا بالفعل و لكن ليس هذا بالشيء السهل التحقيق يا صديقي.
الغريب متسائلا: لماذا؟
العامل متابعاُ كلامه: إذ عليك ان تبحث عن التنين في الجبال والاحراش الي ان تجده ثم تنتظر أمامه لوقت قد يقصر او يطول الي ان يتكلم. فان تكلم تخرج من فمه هذة الكرات النارية. فأذا استطعت ان تستقبل احداها فعليك ان تأكلها و تحتمل كل هذة الآلام بداخلك الي ان تستقر النار في أصابعك و يظهر الوهج عند أطراف أصابعك.
هي رحلة طويلة من البحث و الانتظار و الألم.
الغريب متسائلا: لماذا؟
العامل متابعاُ كلامه: إذ عليك ان تبحث عن التنين في الجبال والاحراش الي ان تجده ثم تنتظر أمامه لوقت قد يقصر او يطول الي ان يتكلم. فان تكلم تخرج من فمه هذة الكرات النارية. فأذا استطعت ان تستقبل احداها فعليك ان تأكلها و تحتمل كل هذة الآلام بداخلك الي ان تستقر النار في أصابعك و يظهر الوهج عند أطراف أصابعك.
هي رحلة طويلة من البحث و الانتظار و الألم.
الغريب: و لكنك ستكون بعدها شخصا اخر! و ستملك بعدها مستقبل جديد وعمل واعد و ستنتهي مشاكلك المادية و تنضم الي مصاف الأغنياء!!
العامل: نعم كل هذا صحيح. و لكني لا استطيع ان ابعد عن أسرتي كل هذا الوقت .. و لا اقدر ان أتحمل مشقة البحث .. فالطريق الي الأحراش صعب و طويل .. و الالم يخيفني.
بالإضافة الي ان ما اصنعه الان من تحف هو جميل الشكل و انا سعيد بعملي فقد توارثت هذه المهنة عن ابائي و جدودي و ارتبطت بها وعرفت كل اسرارها .. حتي و ان كان العائد المادي منها قليل و لكنه يكفيني انا و أسرتي.
و لولا ان أمي قد مرضت مرضاً شديداً مؤخراً وهي الأن تحتاج الي دواء غالي الثمن ما كنت احتجت الي اي مال قط.
ليس امامي الان الا ان أضاعف من مجهودي و انتاجي و قد اطلب من ابني ان يساعدني في العمل حتي استطيع الانتهاء من مجموعة كبيرة من التحف الزجاجية فنبيعها و نشتري بثمنها الدواء.
بالإضافة الي ان ما اصنعه الان من تحف هو جميل الشكل و انا سعيد بعملي فقد توارثت هذه المهنة عن ابائي و جدودي و ارتبطت بها وعرفت كل اسرارها .. حتي و ان كان العائد المادي منها قليل و لكنه يكفيني انا و أسرتي.
و لولا ان أمي قد مرضت مرضاً شديداً مؤخراً وهي الأن تحتاج الي دواء غالي الثمن ما كنت احتجت الي اي مال قط.
ليس امامي الان الا ان أضاعف من مجهودي و انتاجي و قد اطلب من ابني ان يساعدني في العمل حتي استطيع الانتهاء من مجموعة كبيرة من التحف الزجاجية فنبيعها و نشتري بثمنها الدواء.
الغريب(يهمهم بصوت منخفض و هو ينظر الي الافق شاردا): اصنع انت يا صديقي ما تعودت ان تصنع .. أما انا فإني قد عرفت ما انا فاعل.
و في صباح اليوم التالي. استيقظ الغريب مبكرا جداً و شد رحاله في مشوار طويل الي الأحراش.
No comments:
Post a Comment